الاثنين، 9 مارس 2015

شاطئ الموت

لن أستطيع أن أنسى تلك اللحظة ماحييت ...
لن أستطيع أن أنسى تلك النظرة على وجوههم ...
لن أستطيع أن أنسى تلك الأيادي الممتدّة إلى السماء لتتعلّق بحبلٍ يحمل الروح إلى بارئها ...
لن أستطيع أن أنسى أصواتهم وجَلَباتهم وبكاؤهم .....
لن أستطيع أن أنسى مشاعر الخوف والرهبة والضياع ..مع الحرص على التمسك بالحياة ولو كان وهماً .....
هي لحظات لا تختصرها الكلمات ولا تمنحها معناها ..بل.. تبخسها حقها وتمنعها صدقها ووضوحها ....
ولحظات ٌ قد تمرّ في عمر المرء مرة ..أو قد لاتمرّ ....!!!
تُختَصر فيها الحياة والأحلام والعمر لتصبح لحظات احتضار ... أو ..رحلة إلى الموت ...!!!
مع بداية دراستي كان حلمي أن أحقق تحصيلاً هاماً في مجال تخصصي ، وكان لابدّ لذلك من إتمام دراستي في إحدى تلك الدول المتقدمة البعيدة ليتماشى تحصيلي مع هذا التطور العلميّ اليومي ... 
وكان حلم السفر لايراودني وحدي بل راود الكثيرين من أصدقائي ولغاياتٍ مختلفة : طلب العلم أحدها ...وطلب المال أكثرها ... وطلب الجاه والسلطة بعضها ....!!
مع مرور ساعات الدراسة كنت أعزّز حلمي وأغذيه بأفكار تنطلق إلى السماء فلا تسعها ، وتجوب الفضاء تاركةً خلفها سحائب بيضاء مثقلةً بالأمطار التي أنتظر أن تهطل ذات يوم فتُزهرَ أيامي وتخضرّ ، وتتحقق أحلامٌ قريبة وبعيدة ، بل وتنتشي وتتفرّع وتنتج أخرى لتتسّلق العمر وتسبقه وتجتازه لتعبر إلى أعْمارٍ وأعمار ..تختصر سنين وعقود لتصبح حاضراً جلياً ملموساً أجنيه قبل أن أتعب وأمَلّ وأفقد الرغبة والشباب ...!.
أَنهيتُ دراستي الجامعية وبدأت بالتحضير لتحقيق حلمي ...
رافقَني في ذلك الحلم صديقُ لي من زمن الطفولة ، اشترك معي طفولتي وشبابي ، وتقاسمْنا لحظاتنا وواقعنا .. فكان لابدّ من أن نتشارك أحلامنا ...!!
كان الأقرب إلي ّ .. كان مرآتي التي تتحدث حين أصمت ...وكان وجداني وضميري الحاضر حين أغيب ...تشابهْنا في أغلب الأشياء... حتى إسمَينا كانا قريبين ...أنا صالح وهو عادل والصلاح والعدل إذا اجتمعا كانا سحراً وتعويذة ...
أغرقتْنا التفاصيل في معاملات السفر ... ومع وجود العَوز المادي ّ بدأنا نستدين ...لابأس ..طالما الأيام القادمة ستفتح لنا كنزاً من كنوز علاء الدين ،  وسنغرف الكثير ونردّ الديون ...لا...بل ...سنردّ أضعافها ونشكر أصحابها ، ويمكن أن نمنحهم بعض الهدايا والهبات ...!!
نجتمع  كثيراً في فناء المنزل نتباحث في دقائق الأمور وفي ترتيبات اللقاءات والخطوات التي علينا السير بها بدقةٍ و حساب وبداخل كلٍ منّا أمل يكبر يوماً بعد يوم ليَضيق به جسدنا ولينطلقَ بروحنا سابحةً عابرةً للحدود والمسافات .
اقتربت لحظة الوداع ..ومع تلك الدموع المنهمرة على فراق أحبتنا ظهر أملٌ جديد بلمّ الشمل والانتقال من تلك الأرض الجرداء المقفرة إلى ذلك النعيم الأخضر المُبهِج ...من حياة لا أمل فيها ولامعنى لنجاح إلى روح العطاء والتنافس و البناء ...من وجوه أثقلتها هموم اليوم ومشاكل اليوم  ، وتأمين أولويات الحياة لحظة بلحظة حيث لامكان للغد فيها ،إلى إشراقة وابتسامة وتفاؤل تنطلق من الوجوه مع انطلاقة كل يوم جديد لغدٍ أسعد .
إذاً ...حان السفر واقتربتُ من الحلم أكثر .
كنتُ أسير بأقدامٍ تطير كجناحات .. لا يعيقها ...حجرٌ هنا أو مطبّاً هناك ..ولاحتى حاجزاً مؤقتاً ...طالما أنا في طريق حلمي ولم يبق لي إلا القليل لتحقيقه ..طبعاً ..أنا وصديقي .
مررنا بقرى ومدن كثيرة وقابلتُ وجوهاً مختلفة وأراضٍ متنوعة ونحن ننتقل ضمن تفاصيل حلمنا الكبير لتُضاف له بعض الزخارف والنقوش التي لابأس بها إذ تزيّن الرسم ولا تشوّهه...!
وصلنا لآخر نقطة لعبور الحلم ... كان شاطئاً كبيراً لاحدود له ..كما أحلامنا ...بعيد المدى ...صعب الاجتياز شائك ، يرهقُه طمع المهرّبين وجشعهم ،أو بالأحرى لاإنسانيتهم في التعامل مع من جاء يطلب الحياة الكريمة وينبذ الجهل والهوان ...!!
ومع كل تلك الأشواك والعقبات لابدّ من المسير فحلمنا كان حياتنا الذي رافقَنا في يقظتنا ومنامنا .
هوجرعة الأكسجين الذي نحتملُ به واقعاً صعباً بائساً خانقاً ...!!!! لابل هو أكثر من هذا ...إنه ... عمرنا كله .
توكلنا على الله وركبنا السفينة ..و لساني يلهج بالدعاء والتوسل والتضرّع إليه ...لم تكن بتلك المواصفات القياسية المتّفق عليها أو بالأَحرى لم تكن مهيّأةً إلا لحلم صياد بائسٍ قنوع .
كان خَيارنا الوحيدهو الاستسلام والرضوخ لتجّار البشر ، فأمرنا صار بين أيديهم  ، وليس للعبيد إلا أن ينفّذوا أوامر سيّدهم !!!
هي البدايةُ إذاً ... أصبحنا رقيقاً بعد أن كنّا أحراراً  ... لم يعد للقطيع إلّا أن يمضي في الطريق الذي يرسمه له سيّده بلا اعتراض أو حتى مناقشة ، لأنٰ الموت كلّ الموت في المخالفة ، ولكن ... أليست الحياة كلها بانتظارنا ... إذاً ...فلا بأس من غفوةٍ تعيد للجسد قوّته وروحه ونشاطه ...!!
هي أفكار أهدّئ بها نفسي ويلقيها على مسامعي صديقي عادل ليرفع من عزيمتي بين فترة وأخرى ، يدعمُها بابتسامةٍ وتشابكٍ في الأيدي..  وأحياناً ...بضحكةٍ ساخرةٍ مسموعة ....
شيئاً فشيئاً. ..ازداد العدد المشترِك معنا في الحلم حتى خُيّل لي أنه لم يعد يكفي ليلبّي هذا الكمّ من الناس ..بل وكأن ذلك الحلم الذي لاتحدّه سماء ولا تسعُهُ أرض قد بدأ يتقلّص رويداً رويداً ليصبح في عرَض البحر حلماً بالبقاء ...على قيد الحياة !!!.
بدأت الأمواج تعلو..  وأخذت المياه تغمر كل شيء وترمي بكل شيء وتبتلع كل شيء ، ابتلعت المياه أحلامنا كما تبتلع القرش فرائسها .
وبين مدّ المياه المتلاطم ..استطعتُ أن أميّز وجوهاً ونظرات وأصوات تستغيث وتدعو .. . تحاول أن تطفو وكأنها في صراعٍ مع الموت أو صراعٍ مع الماء ..الأمر سواء .. فالماء أصبح موتاً بعد أن كان حياة !!!
من بين الوجوه ... رأيتُ  شاباً قوياً مفتول العضلات لم تستطع فتوّته أن تحول بينه وبين حتفه ...وامرأةً تحمل طفلها ، ترفعه تارة لتتقذه فتبتلع المياه ماتبقّى من طاقتها لترديهما معاً ...
ورجلاً تركت السنون آثارها على ملامحه فاقداً قواه مسلّماً أمره بشيء من اليأس والرجاء .
رأيت ... ورأيت ...ولم أكن أدرك ، هل هي حقيقة أم أنّي في كابوس يطوف ملك الموت فيه على مجموعة رمتهم أحلامهم إليه ليتلقّفهم واحداً تلوَ الآخر .
لحظات... وغابت نظراتهم  ..غابت وجوههم ...غمرتها المياه ..كماحاولتْ غمري ، وأنا أصارع الموت بكل قوتي ساعدني في ذلك طَوفٌ خشبيّ ساقته الأمواج ليرتمي بين أحضاني بعد أن أعيتْني المصارعة .. ..
صحوتُ من غيبوبتي بعد أن تمّ انقاذي فجُلتُ بنظري أتفقّد من حولي ....! كانت رائحة الموت تعبق بالمكان فالأجساد المغطّاة المصفوفة ملَّ الموت منها بعد أن أخذ ما أراد فتركها بلا حياة .
حاولت أن أختلس النظر لأميّز الوجوه ، كنتُ أبحث عن وجهٍ بالتحديد ، كان الوجه الأجمل والأقرب والأغلى على قلبي ..الوجه الذي يختصر معاني الصداقة والصحبة والأُخوّة ...و كان ... وجه عادل ..... 
اندفعت الدموع من عيني ّ وأنا بالكاد أستطيع رفع رأسي ، سالت لتغطّي وجهي ..لتغمرني أشدّ مما غمرتني مياه البحر ...!! وكأنها أبتْ إلا أن ترافقني فيما بقيَ من حياتي ...!!!
لاأعلم أني بَكيتُ فيما مضى كما بكيتُ الآن ...؟؟
منْ أين لي كل هذا المخزون الدمعي ...؟؟؟
لعلها ...ساقية ممتدة يرفُدها موج البحر إلى غدتي الدمعٌية مباشرة بلا انقطاع ولاتوقّف ...!!! أم .. لعلها ...تريد أن تخفّض بعضاً من منسوب تلك المياه ليستطيع أحدهم النجاة ...!!!
أم لعلّها دموع الحزن على صديقٍ غال ....على إنسانية ٍ مفقودة ...على أحلام .. غرقت قبل أن تصحو ...؟؟؟
لا أعلم بالضبط ..ولكنّي بالتأكيد  ..أعلم أنها ستصاحبني من الآن فصاعداً ...بعد أن كُشفتْ لي بعض الحقائق في لحظات مصارعة الموت ... 
أن حلمي ..كان ورائي ... وأني تركته خلفي .
هي الدموع إذاً صديقي الوحيد وأنا أبدأ من جديد ..بعد أن دفعتُ حياتي ثمناً للوصول ...إلى شاطئ الأحلام ....!!!  ...لابل ....إلى شاطئ الموت .