كثيرة هي الأفكار التي تتدافع بالذهن عند أول لقاء ...
هل هو بتلك الجاذبية المنبعثة من كتاباته ...!!!
كيف سيدور الحديث ومن الذي سيُمسك أطرافه ...!!!
ماذا عساي أن أقول في حضرة الكلمة والبلاغة والفكر والأدب ....؟؟؟
من أين أبدأ وكيف أصوغ كلماتي ....؟؟
لابدّ أن سحر الكلمة سبقت شخصيّته وجعلته يتربّع على عرش التفرّد والسيطرة والاقتدار ....
تكفي اشارة يد منه أو ملامح ابتسامة لمنح الآخرين الكثير من الفخر والثقة ...
هو شخصية عظيمة لاتتكرر في هذا الزمن ...وأظن ... من الصعب أن تتكرر في الأزمنة التي تلي ....
نعم ...تلك كانت بعضاً من همسات الفؤاد وأحاديث الذات .
نمت ليلتي وأنا أحلم بلقاء الغد ... لعله سيكون الأجمل في حياتي ...نعم بالتأكيد سيكون يوماً متميزاً ...!!
صباحاً كان كل شيء حولي يبعث روحاً من التفاؤل والأمل ...الشمس مشرقةً ...نعم كعادتها ولكن ...اشراقتها اليوم مختلفة ...
بدتْ لي أكثر ضياء واتساعاً وتأثيراً فقد أضاءت قلبي ومنحته القوة والسعادة .
الهواء أكثر انتعاشاً وأنقى عبيراً ...حتى تلك العصافير الصغيرة التي تزور حجرتي كل يوم ،بدت اليوم أكثر تغريداً وحركة ...إنها تشاركني لحظتي .... لا ...بل ...كل من حولي يحاول مشاركتي لحظتي .
بعض الساعات ولربما الدقائق تفصلني عن ذلك اللقاء القريب البعيد لقائي بملهمي ..
كان اختياري لثيابي منسجماً مع ملاحظات الكاتب في ذلك الكتاب الذي قرأت ... أحسسته يتهكم على تلك الملابس العصرية ويشجع بل ويدعو إلى الرسمية منها وخاصة في اللقاءات الخاصة لأنها وإن دلّت على شيء فإنما تدل على احترام صاحبها لمن حوله واهتمامه بالتفاصيل وعنايته للوصول لقلوب الآخرين واعجابهم.
أما تسريحة شعري فكانت أيضاً كما أحَبّ ...والذي يعني تمسّك صاحبها واعتزازه بمجتمعه وعاداته وحرصه على رفض الانجرار لقوالب الغرب والانعتاق من حضارته ....حتى طريقة السير والحركة ..السكوت والكلام ..كلّها كانت مدروسة بعناية ووفق ما أملاه عليّ في حديثٍ لكتاب من كتبه ...
حاولت جاهداً تقمّص مااستطعت منها كما رسمها هو في روايته ومع مرور الزمن أصبحتْ من عاداتي ومثّلت شخصيتي وقادتني إلى حيث شاء نتيجة الاعجاب المتزايد مع كل حرف أقرؤه أو كل فكرة يريد الوصول إليها .
بدأتُ أسرع الخطا لعلّي أكون سبّاقاً في الجلوس بقربه .....فكّرتُ بركوب الحافلة ولكني فضلت ومع توفر الوقت الكافي أن أستعين بالسير على قدمي لينطلق فكري بمراجعة تلك الأسطر السحرية التي كانت تشّع من كتابه والتي كنت قد استحفظتها عن ظهر غيب :
.....قدر الانسان وقيمته تقاس بمقدار عطاءاته وتقديره للغير فطالما كان كسولاً متقاعساً سلبياً كان لعبةً بيد الأقدار والأشرار وكان باطن الأرض أولى له من ظاهرها ....
.... علينا بالبحث أولاً في أنفسنا وحين نعي عيوبنا ونصلحها نبني أساساً لاصلاح الكون من حولنا .....
...رحمة ربنا وسعت كل شيء فلْنغترفْ منها ولنرحم من حولنا فنتسامح ونغفر ونساعد ونفتح الطريق لمن أُغلق دونه ...
.... هما شيئان لا ينفصلان الروح والجسد وكلما سَموت بأحدهما ارتفعتَ وارتقيت ...ومتى افترقا حال الموت بينهما ..فاجتهد بروحك في مرامي النور وابتعد عن الظلمات والجهل و اعلم أن بصيص نور قادر على اطفاء عتمة مسافات ...
..... إن من أعظم نعم الله تعالى نفخه فينا من روحه ...فلننطلق بتلك الروح المقدسة لفهم الكون وبناء الأرض واعمارها ونشر الفضيلة والسلام ، فالخالق واحد ويجب ألا تحدُّنا قوالب ولا عقبات ...هي الروح واحدة والانسانية تجمعنا فلا تمايز ولا اختلاف إلا بتلك البصمة التي يتركها أحدنا ورائه فاسع لتعميقها وغرسها في باطن الأرض واعمل على جعلها تدوم ولا تمحى بأي حال من الأحوال .....
نعم ...كلها كلماته.... أخذتْ طريقها إلى قلبي ورحتُ أتذاكرها فتحملني بعيداً عن ضوضاء الشارع وزحمة المرور فشعرت أني أمتطي حصاناً أبيض ينطلق بي في فضاءٍ رحبٍ لا تحدّه أسوار .
هي كلمات ...ولكن ليست كالكلمات الأخرى ...هي وصفة طبّية لمداواة أبدية ...هي ترنيمةٌ شجية يلقيها على مسامعنا فنحفظها وننشدها خلفه ....
اقتربتُ من الباب وازداد تدفّق الدم في عروقي وعَلَت دقات قلبي على صوت جرس الباب ...
فتح لي أحدهم ورحّب بي ..فأخذتُ مكاني بين الحاضرين ..
كانت قاعة كبيرة كل ما فيها يوحي بالثراء اجتمع بداخلها كبراء البلد مكانة وعلماً ...الضحكات مسموعة والأحاديث كثيرة مختلفة ولكنها جميعاً مستقاة ً من منبع واحد .. .كان نبع كاتبنا يفيض فيضاً ليرفدها جميعاً .
مرّت فترة ليست بالقصيرة وأنا مستمتع بإنعاش ذاكرتي بما يُلقى على مسامعي من بعض فصولٍ لكتاب قرأته أو رواية غابت عني فأتنهّد وأصمّم على الحصول عليها ولو بأغلى الأثمان .
الجميع مترقب ...ساد الصمت ...وخيّم الهدوء بعد إعلان قدوم الضيف .
وقفنا جميعاً احتراما واجلالاً و كأننا تلاميذٌ في عهدنا الأول من الدراسة أمام معلّم قدير مهيب .
تقدَّمَنا أحدهم ليهلّ علينا وجه كاتبنا العزيز ...دخل القاعة بشيء من الغرور ...مرتدياً ثيابًا عملية مومئاً بيده من بعيد لمن كان في لهفةٍ لمصافحته ، رافقتها ابتسامةٌ صفراء مع قليل من التفاعل واتجه لمكانه .
كانت هي الضربة الأولى التي تلقّاها ذلك التمثال العظيم له بداخلي ....ليتحطّم جزء منه ....!!!!!
جلس على منصته وبدأ بانتقاد من حوله وأخذ يُلقي على مسامعنا درساً لم نكن ننتظره ...استفزّه اعتراض سائل له بالطريق ... وأزعجه ازدحام معجبيه ... أين ما كان يدعو إليه من استيعاب الآخرين والبحث لهم عن أعذار لا بل ومساعدتهم قدر الطاقة الممكنة ..؟؟؟؟
أخذ يبتعد كثيراً عما كان ينشره ذلك العبق من كتاباته وبدأت رائحة العرق والعفن تغزو المكان .
انهالت ضربة قوية أخرى على ذلك التمثال بداخلي وأصبح بحالةٍ حرجة .. فبالكاد يقوى على الصمود ....!!!
حينما جلسنا للطعام امتنع عن مشاركة منتظريه ولو بالظاهر مدّعياً أنه لا يغيّر من نظامه الغذائي فقد اعتاد على وضع نفسه في قالب يحدّد له ساعاته لابل لحظاته التي يعيشها... وهو لا يستطيع الخروج عن ذلك النظام ( كما ادعى ) إذ بدونه... يفقد رونقه وقدرته على الكتابة والتركيز ...
كان كلاً منّا قد هيّأ نفسه لبعض الأسئلة والنقاشات وكانت جعبتنا تفيض ممّا حُمّلْنا به من مشاعر اعجاب وتساؤلات عن دقائق أمور حياته ....! لكن ....لم يكن لأحدنا أن ينطق ببنت شفة ، وكاتبنا متعجّل متعجرف لا يُلقي بالاً بمن حوله .
نهض واقفاً ليتفضّل علينا بنظرة ٍ سريعة وإيماءةٍ بيده وهو يغادر ....ولايدري أنه ترك خلفه ركام حجارة من تمثالٍ عظيم صنعه كل واحدٍ منّا لشخصيةٍ خياليةٍ من أوهام .
ولكن ... وأنا في طريق عودتي ..... أهداني كاتبي ( المفضّل ).....أجمل وأروع كتاباته التي صنعها بيده هذه المرة ولم يخطّها قلمه .....هي مختصر الحياة ومنطلقها ...
هي تجربةٌ تلقائية فريدة تنطق بالحكمة لمن يفهمها ...
نعم لقد فهمتُ الآن وأدركت معنى. .... أن لاإله إلا الله ولامعبود غيره ....كلّنا بشر نزيد في هذا وننقص في ذاك .... ولكن في النهاية الأمر سواء...
وحين نحطّم تلك التماثيل داخلنا ....ونتخلص من الإشراك بها وتقديسها نكون .... قد وُلدنا من جديد... وبدأنا بالتفاعل مع تلك الروح المقدسة التي نفخها تعالى فينا فنحيا له وبه.... وكما أراد تعالى لنا أن نحيا.